عبد اللطيف البغدادي
65
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
وقد تجنب هذه الاحتمالات ، الواحد تلو الآخر ، بفحص ما يزيد على ألفي جمجمة ، ثم كلف غيره التأكّد من صحة مشاهداته ، ثم طلب إلى من صاحبوه إجراءها بعيدا عنه لئلا يتأثروا برأيه وهو أستاذهم ، ثم توجّه إلى مدافن في بوصير لعل العظام هناك تختلف عنها في المقس ، وكأنه توقع اعتراض معترض بأن الدروز لا تظهر في الجثث الحديثة ، فنقل بحثه إلى مدافن أعرق في القدم ، فردّ بهذا مسبّقا على طبيب القرن السادس عشر الذي صرّح بأن الطبيعة إذا اختلفت عن أقوال جالينوس فإنما اختلفت لتغيير طرأ عليها على مرّ الزمان . ثم تفحص عبد اللطيف عظمة العجز فقال عنها : « وأما العجز فقد ذكر جالينوس إنه مؤلّف من ستة عظام ووجدته أنا عظما واحدا واعتبرته بكل وجه من الاعتبار فوجدته عظما واحدا ، ثم إني اعتبرته في جثة أخرى فوجدته ستة أعظم كما قال جالينوس ، وكذلك وجدته في سائر الجثث موثق المفاصل ، ولست واثقا بذلك كما أنى واثق باتحاد عظم الفك الأسفل » . نراه هنا أمينا ، لم يسعه إلا التصريح بأنه غير واثق من ملاحظاته على العجز ثقته بملاحظاته على الفك . إلا أن الأمانة نفسها تدعونا إلى تبرئة جالينوس من الخطأ الذي وقع فيه ، وأوقع غيره فيه ، لأن هذا العالم الأصيل إنما اعتمد في التشريح على تشريح جثث الأجنة المولودة ميتة ، بسبب حظر الأديان تشريح الآدميين ، وعظمتا الفك عند الأجنة غير ملتئمتين . ويبدو أن عبد اللطيف أجرى ملاحظات أخرى كان ينوى تدوينها في مؤلف خاص إذ أضاف : « وكذلك في أشياء أخرى غير هذه ولئن مكّنتنا المقادير بالمساعدة وضعنا مقالة في ذلك نحكى فيها ما شاهدناه . إلا أن هذا المؤلف المكمل لملاحظاته الأولى والذي أزمع كتابته ، لم يصل إلينا ، إما لأنه لم يكتب ، أو لأنه ضاع ، أو لأنه ما يزال مدفونا تحت غبار المكتبات » .